فخر الدين الرازي
226
تفسير الرازي
بتدبير إله مختار حكيم ينقل الأرواح من نقصانها إلى كمالاتها ومن جهالاتها إلى معارفها بحسب الحكمة والاختيار ، فهذا هو المراد من قوله سبحانه وتعالى : * ( خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين ) * . وإذا عرفت هذه الدقيقة أمكنك التنبيه لوجوه كثيرة : المسألة الثانية : أنه تعالى إنما يخلق الإنسان من النطفة بواسطة تغيرات كثيرة مذكورة في القرآن العزيز منها قوله تعالى : * ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ) * ( المؤمنون : 12 ، 13 ) إلا أنه تعالى اختصر ههنا لأجل أن ذلك الاستقصاء مذكور في سائر الآيات ، وقوله ؛ * ( فإذا هو خصيم مبين ) * فيه بحثان : البحث الأول : قال الواحدي : الخصيم بمعنى المخاصم ، قال أهل اللغة : خصيمك الذي يخاصمك وفعيل بمعنى مفاعل معروف كالنسيب بمعنى المناسب ، والعشير بمعنى المعاشر ، والأكيل والشريب ويجوز أن يكون خصيم فاعلاً من خصم يخصم بمعنى اختصم ، ومنه قراءة حمزة : * ( تأخذهم وهم يخصمون ) * ( يس : 49 ) . البحث الثاني : لقوله : * ( فإذا هو خصيم مبين ) * وجهان : أحدهما : فإذا هو منطبق مجادل عن نفسه ، منازع للخصوم بعد أن كان نطفة قذرة ، وجماداً لا حس له ولا حركة ، والمقصود منه : أن الانتقال من تلك الحالة الخسيسة إلى هذه الحالة العالية الشريفة لا يحصل إلا بتدبير مدبر حكيم عليم . والثاني : فإذا هو خصيم لربه ، منكر على خالقه ، قائل : * ( من يحيي العظام وهي رميم ) * ( يس : 78 ) والغرض منه وصف الإنسان بالإفراط في الوقاحة والجهل ، والتمادي في كفران النعمة ، والوجه الأول أوفق ، لأن هذه الآيات مذكورة لتقرير وجه الاستدلال على وجود الصانع الحكيم ، لا لتقرير وقاحة الناس وتماديهم في الكفر والكفران . قوله تعالى * ( واَلاَْنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) * وفيه مسائل :